محمد ابو زهره
24
خاتم النبيين ( ص )
20 - فالمسيحية إبان القرن السادس الميلادي قد ضعف الإيمان بها ، لكثرة الجدل فيها ، ولم تكن قد استقرت الأفكار حولها ، واقتصرت على اتجاه معين من اتجاهاتها . فابتدأت أولا باضطهاد الوثنية لها ، وتجسس اليهود على النصاري ، واختفى المسيحيون في أكنان من أرض الروم وفلسطين مستسرين بعقائدهم . وكلما ظهر فريق منهم قوبل بالاضطهاد ، والأذى المرير ، وتبارى في ذلك ملوك الرومان ، وقد جعلوا عمل أمرائهم الذين يرسلونهم هو ذلك الأذى ليئدوا ذلك الدين الجديد في مهده ، ويقبروه في حجر ولادته . وقد تكاثرت المصادر الدالة على ذلك الاضطهاد ، وقد جاء في كتاب ( تاريخ الحضارة ) ما نصه « قد كتب بلين وكان واليا في آسيا إلى الإمبراطور تراجان كتابا يدل على الطريقة التي كان يعامل بها المسيحيين قال : « جريت مع من اتهموا بأنهم نصارى على الطريقة الآتية ، وهو أنى أسألهم إذا كانوا مسيحيين ، فإذا أقروا أعيد عليهم السؤال ثانية وثالثة مهددا بالقتل ، فإن أصروا أنفذ فيهم عقوبة الإعدام مقتنعا بأن غلطهم الشنيع ، وعنادهم الشديد يستحقون بهما هذه العقوبة ، وقد وجهت التهم إلى الكثيرين بكتب لم تذيل بأسماء من كتبوها ، فأنكر المتهمون أنهم نصاري ، وكرروا الصلاة على الأديان الذين ذكرت أسماءهم أمامهم ، وقدموا الخمور والبخور لتمثال أتيت به عمدا مع تماثيل الأديان ، بل إنهم شتموا المسيح ، ويقال إنه من الصعب إكراه النصراني الحقيقي على شتم المسيح ، ومنهم من اعترفوا بأنهم نصاري ، وكانوا يقرون بأنهم يجتمعون في بعض الأيام قبل طلوع الشمس على العبادة ، وعلى إنشاد الأناشيد إكراما للمسيح ، وتعاهدوا بينهم لا على ارتكاب جرم بل على ألا يسرقوا ولا يقتلوا ولا يزنوا وأن يوفوا بعهداهم ، ورأيت من الضروري أن أعذب امرأتين ذكرتا أنهما خادمتا الكنيسة ، بيد أنى لم أقف على شيء سوى خرافة سخيفة » . وقد كثر الاضطهاد ، وكان نيرون يجعل من النصارى مشاعل تسير في موكبه ، إذ يطليهم بالقار ، ويشعل فيهم النار . وتسير تلك الشعلة في احتفاله بنفسه . وأوقع دقلديانوس بنصارى مصر أشد الاضطهاد ، وأنزل بهم العذاب ، وقتل في مصر المسيحية التقتيل الذربع الماحق ، حتى أنه اعتبر تاريخ ذلك العذاب هو ابتداء التاريخ القبطي . 21 - وبعد زوال الاضطهاد ظهرت الخلافات على أشدها ، فكانت بقايا الواحدانية تظهر على لسان أريوس ، ومعه أكثر كنائس الشرق ، وأكثر الكنائس في فلسطين ، وكثير من كنائس مصر . ولما أراد قسطنطين أن يدخل في النصرانية جمع مجمع نيقية سنة 325 م وأعلن ثمانية عشر وثلاثمائة من المجتمعين ألوهية المسيح ، فأخذ بقولهم مع أن المجتمعين ابتداء في المجمع كانوا يبلغون 2048 أو يزيدون ، ولكن أراد أن تتغير المسيحية إلى ما يقرب من الفلسفة والوثنية على أن يبقى اسم المسيحية وإن خلت من لبها ، وهي الواحدانية التي تحارب الوثنية .